هل تتسم أي تجربة دینیة بالشرعیة؟

عربية
ضابط التجربة الدینیة ومعیارها في آراء ولیام الستون وآیة الله جوادي الآملي

یعتقد آیة الله جوادي الآملي  بأن لیست التجارب الدینیة البحتة دلیلا لإثبات الحق سبحانه.اذا لم تعرض التجربة الدینیة للتحکیم وفقا لاختبارخطاب القرآن وأئمة الأطهار (ع)، فلا یمکن ان تکون قابلة لإثارة(لخلق) الحجیة. یعتقد سماحته ایضا بأنلا يمكن اخضاع العدید من الشؤون الدینیة للتقییم من خلال التجارب الدینیة.

 

 

کان ولیام الستون قدحاول أن یجعل تجربة الاشخاص  الدینیة  أساسا  لإدراك الحق سبحانه واثباته من خلال نظرة مفصلة. وکان یصف التجربة الدینیة بالترابط مع التجربة الحسیة. ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي  بأن لیست التجارب الدینیة البحتةدلیلا لإثبات الحق سبحانه.اذا لم تعرض التجربة الدینیة للتحکیم وفقا لاختبار خطاب القرآن وأئمة الأطهار (ع)، فلا یسعها ان تکون قابلة لإثارة(لخلق) الحجیة.

 

 

کان ولیام بی الستون (1921-2009) من أکثر الفلاسفة المعاصرة شهرة للدین. وکان في سنة الفلسفة التحلیلیة کمعظم الفلاسفة الأمریکیین . فکانت له نظرة مسهبة في قضیة التجربة الدینیة.وکان یری الستون التجربة الدینیة کالتجربة الحسیة. وفقا لرأیه، تتمکن التجربة الدینیة کالتجربة الحسیة أیضا من ان تکون مصدرا للمعرفة أو مبررا معرفیا وأن تساعد في اثبات الحق سبحانه وادراکه.

ویصرح لاقتران التجربة الدینیة والتجربة الحسیة، بأن هناك ثلاثة عناصر (مثل عندما نشاهد قطا) في الإدراك الحسي العادي: الشخص الذي یری القط (المدرِك)، القط الذي یتم رؤیته (الشيء المدرَك)، و عرض و ظاهر ذلك القط (المريي). و وفقا لهذا الأساس  کان آلستون معتقدا  بأن هناك ثلاثة عناصر في التجربة الدینیة: الشخص الذي یمر في التجربة الدینیة، الله الذي یصبح تجربة(یجرب)، وظهورالحق سبحانه وانبثاقه علی  ذلك الشخص المجرب.(1)کان الستون یتجه للتجربة الدینیة ومناقشة طبیعتها من خلال نهج معرفي. وکان یری أي لذة، فرح، خوف، رغبة، والشعور بالإمتنان و .... التي یتم الحصول علیها للإنسان في هیکل دیني، تجربة دینیة وکان یعتبرها مفیدة لإثبات الرب سبحانه وإدراکه. وفقا لاعتقاد الستون، کما تؤدي التجربة الدینیة  إلی معرفة للشخص نفسه، یتمکن تقریره أیضا من إنشاء المعرفة للآخرین.(2) یتم هذا التقریر أیضا في قالب التجارب الحسیة والواضحة للآخرین.

وقد أکد الستون علی نقطتین في شرح نظریته. النقطة الأولی هي أن التجربة الدینیة من سنخ التجربة الحسیة وکان یعتقد بأن تجربة الحق سبحانه معرفیا، تلعب نفس الدور المعرفي الذي تتسم به التجربة الحسیة ایضا. النقطة الأخری التي كان یضع الستون نظامه الفکري علی اساسها، هي الإعتماد علی التجارب الدینیة الکثیرة التي نقلت من  مختلف الإشخاص. ویضع الاصبع علی تجارب الاشخاص الباطنیة في شرح نظریته وکان معتقدا بأن تجدر هذه التجارب أن تعتبر طریقا لإثبات الحق سبحانه وادراکه.

خصائص التجربة الدینیة في وجهة نظر الستون

کان الستون وفقا للعدید من التقاریر التي کان ینقلها من ذوي التجربة الدینیة، معتقدا بأن  للتجارب میزات .میزات یدرکها الشخص  المجرب (ذوالتجربة)بصراحة.

یفترض الشخص المجرب (ذوالتجربة) نفسه حاضرا(متواجدا) في التجربة الدینیة. ووجوده هو تقریبا بنفس الطریقة التي تظهر الشجرة علی  وعیه عند رؤیة شجرة. وفقا لاعتقاد الستون ان التجربة العرفانیة  نوع من الادراك التجریبي کما یحدث في الادراك الحسي. علی سبیل المثال، عند النظر إلی x، یظهر ذلک الشيء علی وعینا ویختلف هذا الظهور مع الإحتجاج، التأمل وشکل صورة x الذهنیة . یظهر الله  علی وعي الشخص  المجرب (ذو الخبرة)  بهذه الطریقة ایضا في التجربة الدینیة. ویختلف الظهور هنا مع الإحتجاج والتأمل حول الحق سبحانه.

هذه المعرفة التجریبیة حول الحق سبحانه،مباشرة ومن دون واسطة.یشعر الشخص  المجرب (ذوخبرة)بالمعرفة بالله دون حاجة للواسطة، و دون ان تحصل من طریق العلم لموجود اخر. أی معرفة الحق سبحانه هيكرؤیة الشخص الذي هو امامك،  ولیس الشخص الذي تشاهده عبر شاشة التلفزیون.

متعلق التجربة في التجربة العرفانیة هو الحق سبحانه  فقط.

إجراء التطبیع(تطبعة- تقنعة)علی اساس التجربة الدینیة

وکان الستون  لوضع تصور التجارب الدینیة، یصرح بان تحدث التجارب الدینیة بلا شك. افضل سبب لوقوع هذه التجارب  هو تقریر(ابلاغ) اصحابها.الذین هم لا شك في صدق اخلاق مدعیاتهم. کان یعتقد بأن تحمل(تنقل-تؤدي) التجربة الدینیة صاحبها  إلی بعض المعتقدات عن الحق سبحانه وبعض خصائصه. المعتقدات التي تتبرر(تتسوغ) مباشرةً، وفقا لتلك التجربة.

 

ثم کان الستون لشرح هذه التجارب الباطنیة،  یصرح بأن یختار کل احد کلمات علی اساس عادات مجتمع اتباعه اللغویة لوصف تجاربه الحسیة. ویختار کل ذي تجربة  دینیة  لوصف تجربته  أیضا بنفس الطریقة (علی الحالة هذه)، کلمات ومفاهیما مبنیة علی عاداتٍ لغویة لتقلیدٍ دیني ینتمي لها ومألوفة له. وبالاضافة إلی ذلك، علی الرغم  من اختلاف صفات الحق سبحانه مع صفات الإنسان تماما، لکن هناك أساسیة مشترکة بینهما إذ تساعدنا علی درك صفات الحق سبحانه. یواصل الستون لوضوح کلامه قائلا: انا استطیع بعد تذوق طعم جدید لفاکهة تناولتها لأول مرة، أن اقوم بوصف ذلك الطعم الجدید من خلال استخدام  النکهات المألوفة بطریقةٍ، حیث یکتشفون بعد تذوق ذلك الطعم بأن  ما قاموا بتجربته هي نفس تجربتي. وهكذا دواليك، لیس من المستغرب أن یستطیع  ذوتجربة دینیة أن یصف مودة (شفقة-لطافة) الحق سبحانه من خلال صفات الإنسان المألوفة ودائرة لغات تقلیده الدیني بطریقةٍ حیث اذ نالوا تلك التجربة یکشفون  أن  تجربتهم هي نفس التجربة التي مر بها. بشرط أن یخضع الأخرون للتقلید الدیني لذي التجربة  نفسه ویکونوا معتادین علی عاداته اللغویة.(3)

 

کان یسعی الستون من خلال هذا النهج أن یعرض بأن التجربة الدینیة هي علی غرار التجربة الحسیة ولیس هناك اختلافا بینهما. وفقا لرأیه  لا یعتبر تطبیق اللغة ووصف الحالات الباطنیة، عقبة أمام تساوي هاتین النوعین من التجربة.

کان یرکز الستون فیما یتعلق بطبیعة الإدراك الحسي، علی نظریة الظهور (التجلي). تدعي هذه النظریة بأن ما یحدث في الإدراك، هو أننا ندرك ظاهر شيءٍ وحقیقته؛ لا کما هو علیه في الواقع (الحقیقة).(4) وکان یری الستون من خلال عرض خاص لنظریة الظهور، بانها أفضل و أکثر قبولا بالنسبة لوجهات النظر القائمة الأخری. وکان یدعي بأن العلاقة الإدراکیة علاقة باطنیة في نظریة الظهور. تقع في قلب أي إذراك حسي ظاهرة حیث یمکن استخدام  تفسیرات مختلفة مثل الحضور، التجلي، الظهور أو الإجهار، من خلال تسمیتها.(5)

تعني نظریة الظهور بظهور الشيء علی التجربة الشخصیة بطریقة کذا وکذا.یری علی هذا الأساس، بنیة التجربة الحسیة  هي بنیة فعل الشيء. أي تتطلب التجربة الحسیة ظهور شيء علی معرفة الشخص بطریقة تحتوي علی میزات خاصة للرؤیة (الظاهري-الظاهرتي). فیذکر الستون هذه النظریة باعتبارها نموذج  إدراکي (مفاهیمي).(6) .

کان یری الستون الإرتکاز علی التجربة هو الإفتراض الأول والأساسي لتوجيه الإعتقاد الإدراکي، وکان یقول: اذا حصل اعتقادا بطریقة مباشرة تماما، سیکون مبررا وإذا شکلت التجربة جزءا من أساسه والمعتقدات الأخری  الجزء الآخر منه، في هذه الحالة، سیکون قسم منه مباشرا والقسم الآخر غیر مباشر.وهذا یعني بأن کلما  اقتربت تجاربنا إلی التجربة الحسیة، کلما تجدر أن تعتبر أکثر إیقانا.(من شانها ان تعتبر اکثر ایقانا (یقینیة).

المبني الأساسي لآراء الستون هو قرابة التجربة الدینیة من التجربة الحسیة ومساواتهما. وأعرب عن اعتقاده  بأن کلما استطعنا ان نقرب التجربة الدینیة من التجربة الحسیة،  کلما تمکنا من أن نعتبر لها قابلیة توجيه اکثر فسیکون ادراك الحق سبحانه واثباته أکثرسهولة  وایقانا.

التجربة الدینیة من وجهة نظر آیة الله جوادي الآملي

قد أخذ آیة الله جوادي الآملي أیضا  قضیة التجربة الدینیة  بعین الإعتبار. ولکنه یسعی إلی أن یحدد ظروف التجربة ومیزاتها خطوة بعد خطوة ویستعرض قدرتها(قابلیتها )علی اثبات الحق سبحانه وإدراکه. و أولی اهتمامه إلی مکانة التجربة في البدایةً. معتقدا: بأن التجربة کما هي مطروحة في المنطق، عبارة عن حادث(عارض)یقرر(یحکم) الإنسان به إثر تکرار المشاهدة وعندما شاهده مرارا واختبره، تطمئن نفسه به ویحکم به حکماجزمیا (مطلقا-مجزوما). کالحکم الصارم بأن  کل نار محرقة؛ لأنه شاهدها عدة مرات واختبرها. مثل الحکم الذي کل ماء یغلي عند درجة الحرارة100درجة مئویة.تعتمد هذه النتائج  في الإستقراء الناقص، علی أساسمعرفة (ماهیة)السبب وتجري هذه معارف السبب لقیاسي خفیین: "القیاس الاستثنائي" و"القیاس الإقتراني"؛ والا لااحد، قام بغلیان المیاه جمیعها و لایدعي أحدا بفعل ذلک.

ورغم ذلك ، لایمکن للمرء أن یدعي بأن لأي تجربة حکم یقیني ومتماشي مع الحقیقة،لأن الکثیرمن التجارب کانت خطا. یشرح آیة الله جوادي الآملي  رأیه هذا، بذکر نموذج، قائلا: علی سبیل المثال، إذا ولد شخص ما، في بلد ذوي أشخاص ملونة الجلد ویلاحظ أن کل طفل یولد هو ملون الجلد، اذا قال: جمیع البشر ملونو الجلد، سیکون حکمه باطلا، أي اعتبر الوصف "العرضي" بدلا من الوصف "الذاتي".(7)

وکان الستون قد أشار إلی أن تتمکن أي تجربة في البنیة الثقافیة المختلفة، من أن ترافق(تصطحب) معها اللغات المختلفةأيضا. ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي بأن لم تاخذ هذه الاختلافات في الثقافات المختلفة، لون مکان خاص ورائحته فحسب، بل  تسبب ظهور أخطاء في هذا الطریق أیضا. من الممکن أن یصف ما كان هو جزءا من التجربة وکان موجودا کأمر عرضي ،ذاتیا لتجربة و یسبب الضلالة.

ویشیر سماحته بعد هذه الحالة إلی بعض ملابسات(شکوك) التجربة الدینیة. معتقدا بأن:بأي معاییر یمکن معرفة (تمییز) التجربة الدینیة من التجارب الأخلاقیة والجمالیة والفرح  والجریمة والحیرة؟التجربة في نموذج عادي،مثلما أن یری شخص ماشیئا علی هیئة دب او نمر ویخاف، ولکن یقول الآخر بأنه لیس دبا او نمرا بل غصن شجرة. وقیاس صحة هذه التجارب وضابطها ومعیارها لیس محددا ابدا. ثانیا هل یجدر(یمکن) تسمیة تجربة بالدینیة، دون وجود أي معرفة حولها؟ ألیس العثور علی المحتوی(المضمون) الدیني من خلال التجربة،هو "تقدم الشئ علی النفس"؟ لذا، لایمکن شرح التجربة الدینیة دون الرجوع إلی المعتقدات الدینیة ومفاهیمها وتعالیمها. کذلك، إذا وصفت تجربةٌ بالدینیة من قبل شخص ما، هل ینبغي اعتراف الناظر أو السامع أیضا بأن تجربته دینیة؟ (8) یؤکد سماحته من خلال  ذکر هذه الأسئلة، علی هذه الملاحظة بأن الاعتماد علی التجربة الدینیة في سبيل ادراك الحق سبحانه واثباته، عديم الجدوى. (لا طائل منه.)

کان الستون قد أکد من خلال مناقشة قضیة اللغة، علی أن تتمکن التجارب الموحدة، في الثقافات المختلفة واللغات المتعددة، من أخذ شکل ثقافةٍ وقالبها.ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي بأن عندما تجری الأمور التی تفوق الحس، علی لسان البشر، یتعرض(یخضع) إدراکها للتغیرات. وفقا لرأیه : لا یمکن ایضاح ما تم انشاؤه في باطن الأفراد بواسطة الإشراق، بصورة تامة وکاملة في اللغة. یشرح سماحته هذه القضیة کما یلي:"لیست التجارب في مأمن(محمیة من) من الشیاطین.هذه التجارب معرضة للخطر من قبل المدرك(المستوعب)، کالإنسان ذو نظرتین(الأحول) إذ یری الحقیقة الواحدة، حقیقتین. ورغم أن الأحول یری ما هو خارج عنه وینبه عنه، لکن لیس ادراکه بمنأی من الخطا نتیجة لعیب(مرض) البصر".(9)

ویعتقد سماحته بأن حتی الصوفیون والسالكون الذین نالوا الأمور السامیة، غیرقادرین علی التحدید المضبوط (المعین- الدقیق) للحدود (الاطار) في خطابهم وشرح امورهم الباطنیة وینسبون (یسندون) الأمور الشیطانیة إلی الأمور الإلهیة في بعض الأوقات. "فیما یتعلق بالعرفاء والسالكين، فجمیع الأفکار والتجارب ربانیة أیضا؛ولکن تتعرض هذه الأفکار والتجارب للسطو، عندما تتجه الی الدرجات الأدنی والقوی الأسفل (کالوصول الی القوة المتخیلة). علی سبیل المثال، ما رآه العارف، رآه حقا و سمعه حقا، وربما قد رأي سیدالعارفین وآمیرالمؤمنین (ع) إلی جانب الرسول (ص)، ولکن یتعرض لسطو القوة المتخیلة أثناء الرجوع ، ووضعصورة احدی الصحابة الأخرین بدلا من صورة سیدالعارفین(ع)،  لأن تم تشکیل دراسات المجرب وذهنیاته (عقلیته)، هکذا؛ إذ یجب ان یکون فلان صحابي بجانب الرسول (ص) ولا امیرالمؤمنین (ع)".(10)

وفقا لإعتقاد سماحته:"الطریق مفتوح امام الشیطان في مراحل المتخیلة والخیال والوهم، إذ یلتهي (یباشر)بالغزو(التوغل-المداهمة). لذا ما لم تخضعالقوة الخیالیة لإحتلال "القوة العاقلة" بواسطة الذهنیات (العقلیة) والدراسات المحضة ولا تذلل امامه (لاتستغل من قبلها) و لا تقبل سیطرتها، ستصر علی انحرافاتها.... و تقوم بالمحاکاة وخلق بدیل  لها".(11)

ینبغي النظر في ادراك الحق سبحانه بعيدا عنالتجریدات الذهنیة والفکریة  وفقا لإعتقاد الستون. وکان یقول ،مع التأکید علی التجربة الدینیة، بأن یتحقق الإدراكالمجرد للحق سبحانه بواسطة هذا الإدراك التجریبي . ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي بأن لایمکن إحراز کنه ذات الحقیقة بمجرد الإدراك والتجربة الباطنیة. فیؤمن سماحته بأن یمکن أن تؤدي التجارب الدینیة إلی العدید من اللصوصیات (التوجیهات)إذا لم یتم تقییمها علی اساس الضابط الدینی ومعاییره ولم یتم عبورها من القوة العاقلة. و من هنا یمیز سماحته التجارب الدینیة من الوحي الإلهي. معتقدا بأن یصح ما عرضه الستون بشأن التجارب الدینیة وأکد علی ایقانه،فیما یتعلق بالوحي الإلهي فحسب.

الفرق بين الوحي والتجربة الدينية

کان الستون قد قال بأن  تصبح التجارب الدینیة وزیعة(حصة-قدر) البشر من الأصل الإلهي مباشرةً. و کان قد قیل في تشبیه بأن فی التجارب الدینیة یری الشخص و الشئ المظلوب  بشکل مباشر و لیس عبر التلفزیون .ولکن یری آیة الله جوادي الآملي بأن تقتصر هذه الدرجة علی الأنبیاء ویعتبر هذه المرحلة من الوجود نوعا من أصل الوحي ولا التجربة الدینیة. وفقا لاعتقاده:" یری الإنسان اعمق موضوع ومحتوی للمرة الأولی في عملیة المشاهدات الباطنیة أحیانا ولم یراوده الشك  فیها علی الإطلاق وتبدو له واضحة وشفافة و موثوقة مثل4=2+2.؛لا تحتاج إلی التکرار ولا رکیزة (دعامة) الحجج العقلیة ولا وثیقة معتبرة منقولة. ولو أن من المحتملأن یکون هذا الوضوح وهذه الصرامة من اصل الیقین النفساني ولا الیقین المنطقي (الموضوعي)،  ولیس تمییز الیقین المنطقِي من الیقین النفساني سهلا، مادام لم یتم تقییمها علی اساس معیارعقلي ومقیاس الحجة. مشاهدات الأنبیاء الباطنیة ووحي الحق سبحانه من حیث تشبیه المعقول بالمحسوس کشفافیة شعور الإنسان الضروري.

ثم یقوم آیة الله جوادي الآملي لشرح هذه الرؤیة، بتمییز "المشاهدات ذات الشک"(اللامؤکدة) من "المشاهدات المؤکدة". معتقدا:"مشاهدات الإنسان الحسیة نوعان: المشاهدة المؤکدة و اللامؤکدة عندما نفتح عیوننا ونری الشمس و نری الجوّ مشرقا، لم یراودنا الشك في هذا الإشراق وعندما یری الإنسان الجو للمرة الأولی، یستوعب هذا الفحوی أي اشراقه؛ رغم ان لم یتمکن من تسمیته.کذلك سیشعر الشخص الذي مد یده نحوالنار، بالحرق من دون شك،  ولم یشك الشخص الذي یجوع، بجوعه؛ لأن هذه الأمور هي شعور لا مجال للطعن فیها. لا یحتاج ما یدرکه الأنبیاء باسم الوحي، إلی التکرار و دعامة الحجة العقلیة أو وثیقة(صك) موثوقة منقولة بالتأکید، بل یری اعمق المسائل المیتافیزیقیةو اصعبها، و مسائل الفیزیاء الأکثر تعقیدا بوضوح النور وشفافیة ماء المطر ووضوحه و إذا اطلق هؤلاء علیه اسم التجربة الدینیة، فلا تصریحا(تعليقا-بأسا) حول هذه التسمیة، ولم یتم حظر مثل هذه الأسماء".(12)يركز سماحته  من خلال هذا التفسیر علی هذه الملاحظة بأن إذا لم تتاقلم (تتوافق) التجارب التي یحصل علیها (انجزها)الناس العادیین،مع رکیزة(خلفیة-دعامة) عقلیة ودینیة، فلم تحظی بتصدیق ولم تکن في مأمن من الخطا والزلة. ولکن تعتبر تجارب الأنبیاء من المشاهدات المؤکدة والمشاهدة نفسها  داعیة(مثیرة) للیقین ومانحة الحجية(المحجة). علی النقیض من آلستون الذي کان یری الحجیة ميزة للتجربة الدینیة، ولکن یری آیه الله جوادي الآملي بأنتنفرد هذه الصورة من الحجیة بتجربة الأنبیاء  والوحي الإلهي.

کان الستون قد حاول إلی وضوح نظریة التجربة الدینیة، من خلال الإستنادعلی التجارب المختلفة للاشخاص. ولکن یرد آیة الله جوادي الآملي علی هذا الافتراض ولایعتبر تجارب الاشخاص دلیلا لتحقق الحق سبحانه  ویراها فاشلة (مخفقة) في اثبات وجود الحق سبحانه .و يشير سماحته في تلمیح علی مثل هذه الأدلة بأن:" احتج بعض اصحاب الرأي بشهود الآخرین وتجربتهم الدینیة علی تحقق الحق سبحانه، هکذا: ثمة شهود تجاه حقیقة مقدسة وقیمة، ولا یمکن ان یستند هذا الشهود إلی مبادئ طبیعیة، فلذا هناك حقیقة خارقة(غیبیة) التي هي وجود الحق سبحانه.إذا لاقت المقدمة الأولی  من الاستدلال المذکور قبولاً من قبل الأشخاص المجردین من الشهود(الحدس)، فستکون من حیث المقدمة الثانیة معیبة (مشوه-مخدوشة)، لانها في حالة سلامتها، تثبت  الموجود الغیبي  فحسب ولم یثبت هذا المقدار وجوب الوجود ووحدة الواجب".(13)

وفقا لاعتقاد سماحته:لم تنجز التجربة الدینیة باعتبارها شهود وجداني، یقینا علميا لذي الشهود  وغیره. لایحصل ذو الشهود علی الیقین تجاه مشهوده الا اذا تمتع بحق الیقین. والا، یجب أن یقوم بإلاحتجاج لمشهوده من خلال البراهین العقلیة بعد الشهود. (14)

یمکن صیاغة حدیث  آیة الله جوادي الآملي في هذا الصدد، بصورة موجزة علی النحو التالي:

1-تنقسم نشئة الوجود إلی قسمین: الغیب والشهادة.

2-نشئة الغیب والخارقة هي حق وصدق وخالصة وکاملة  وتامة، ولکن نشئة الشهادة هي مزیجا من الحق والباطل، والصدق والکذب، والصواب والخطا، والکامل والناقص، والتام والمعیب.

3-لامجال للباطل في نشئة الحق وسیحضر الأنبیاء في تلک المحکمة (البلاط)، ولکن لیس الآخرین في مأمن من ورشة الخیال والتوهم والتلوث والإختلاط علی الرغم من اقترابهم من تلك المحکمة المنیعة.

4-لذلك، لایزال حدود وحي الأنبیاءمع أي مشاهدة عرفانیة وتجربة دینیة محفوظا.(15)

معیار حجیة التجربة الدینیة

کان یعتقد الستون بأن اذا تمکنت التجارب الدینیة من ان تعرض وفقا لمقاییسٍ وضوابط ٍحسیة، ستکون تجربة موثوقة (قابلة للارتکاز) وحجیة. کان الترابط بین التجربة الدینیة وتقریر حسي ، استراتیجیة من قبل آلستون لکي تکون التجربة الدینیة بواسطته حجية(مانحة الحجیة).ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي بأن إذا لم تخضع تجربة بمقاییس ومعاییر دینیة للإختبار والتحکیم ، فلم یکن لدیها حجیة.یتحدث سماحته إلی جانب التجارب الدینیة من المعاییر العقلیة أیضا ویراها مفیدة في فهم التجارب الدینیة وشرحها. قائلا: "إذا اشرقت شمس العقل(الحکمة) في مشهد نفس السالك، فستسلب (تقبض) فرصة التمثیل من الشیاطین الوهمیة والخیالیة، بل في هذه الحالة تقتدي قوات الإنسان الوهمیة والخیالیة بإمامة العقل وارشاده في مرافقة (مشایعة) الحقائق ... ویظهر نور الیقین  إلی ادنی درجات الشهود."(16)

یری سماحته البراهین العقلیة، القرآن وسنة الأئمة المعصومین (ع) مفیدة في اختبار التجارب الدینیة ویصف الابتعاد منها عاملا للضلالة.(17). وفقا لإعتقاده : "لم تنال التجارب الباطنیة للمجردین من الشهود العقلي وماورائه(الغیب)، قیمةً علمیة  في أي افتراض مع موازین ومعاییرباطنیة. وبالتالي  لایسعها أن تُطرَح باعتبارها برهانا ضد الرب سبحانه  أو أي امر آخر یتحول(ینضم) الی الشهود. لا یتمکن الشاهد (الواصل-البالغ) من التحکیم بمیزان عقلي حول صحة تلک التجربة وعدم صحتها مباشرة او غیر مباشر ،إلا اذا  کان یتمتع بالمعرفة العقلیة. والمراد من التحکیم اللامباشر للعقل، هو ذلک التحکیم الذی یتم الحصول علیه بمساعدة اقوال الأئمة المعصومین (ع) وبعد اثبات العقلي للتوحید والنبوة.".(18)

الاستنتاج

کان ولیام الستون قدحاول أن یجعل تجربة الاشخاص الدینیة  أساسا  لإدراك الحق سبحانه واثباته من خلال نظرة مفصلة. وکان یصف التجربة الدینیة بالترابط مع التجربة الحسیة. وفقا لرأیه ،مهما اقتربت تجارب الأفراد الدینیة إلی التجربة الحسیة، تمکنت من الحصول علی حجیة معرفیة أکثر.وکان یعد  أي شعور وخوف ولذة وحزن یحدث في وادي الدین، من صنف التجارب الدینیة وکان یعتبره واسطة لإثبات الرب سبحانه وإدراکه. وکان یعتقد بأن لا مجال للتجریدیات العقلیة في عالم التجربة الدینیة، وینال المجرب معرفة شخصیا. کذلك کان یری الستون التمایز بین تجارب الأفراد ناجما عن اختلاف اللغات والثقافات المختلفة وکان یصرح بأن اختلاف اللغة هو عامل لاختلاف التجارب.

. ولکن یعتقد آیة الله جوادي الآملي  بأن لیست التجارب الدینیة البحتة دلیلا لإثبات الحق سبحانه.اذا لم تعرض التجربة الدینیة للتحکیم وفقا لاختبارخطاب القرآن وأئمة الأطهار (ع)، فلا یمکن ان تکون قابلة لإثارة(لخلق) الحجیة. یعتقد سماحته ایضا بأنلا يمكن اخضاع العدید من الشؤون الدینیة للتقییم من خلال التجارب الدینیة. علی سبیل المثال، فهم واثبات وحدة الحق سبحانه من خلال التجارب الدینیة متعذر درکها. بالاضافة الی ذلك، تقتصر المیزات التي یذکرها الستون باعتبارها تجارب دینیة، علی الوحي والأنبیاء وفقا لوجهة نظر آیة الله جوادي الآملي. واستنادا لرأیه لا یحدث أي خطا وزلة في مقام الوحي فحسب وهو منیع من أی شائبة حضور الشیاطین .

 

 

 


[1]العقل و الاعتقاد الديني، مايکل بطرسون و الزملاء، ص44

[2]حول الدين، التجربه الدينية ويليام آلستون، فریقالمترجمین، منشورهرمس

[3]وليام آلستون، لغة الدين، صص83-95؛ نقلا عن  "اصدار جديد من وجهة نظر وليام آلستون علیصحة معرفیة التجربة الدینیة "، عبدالرسول کشفي

[4]آئودي، إبستيمولوجيا، صص73-74

[5]وليام آلستون، التجربه الدينية ادراک الرب ، المترجم: مالك حسيني، کيان، ش50، ص16

[6]وليام آلستون، التجربه الديني ادراک  الرب ، ص16؛ نقلاعن "توجيهالاعتقادات الدينيةمن وجهة نظر وليام آلستون"، بتول احمدي- نرگس نظرنژاد؛ نشر في موقع راسخون

[7]آيت‌الله جوادي آملي، الوحي و النبوة فيالقرآن، ص87-88

[8]نفسه، ص86

[9]نفسه، صص98-99

[10]نفسه، ص100

[11]نفسه

[12]نفسه، ص93

[13]آيت‌الله جوادي آملي، شرح براهين اثبات الرب سبحانه ، ص270

[14]نفسه

[15]نفسه

[16]نفسه، ص272

[17]نفسه، صص273-274

[18]نفسه، ص275

ش

التعليقات

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.