الوحي الهي أو الرؤيا النبوي؟

عربية
دراسة وجهتي نظر الدکتور عبدالکريم سروش وآية الله العظمى جوادي الآملي

ويذكر اية الله جوادي املي مجموعة من الايات القرانية التي تثبت انّ النبي لم يكن لديه  ايّ تدخّل او تصرّف في مسألة الوحي ويذكر التهديدات القرانية للنبي بالنسبة لهذا الامر.

اية الله جوادي املي يرى عدم وجود أي تدخّل من قبل النبي في مسألة الوحي مستندا في ذلك على العديد من الايات القرانية ويذكّر بتهديدات القران الكريم في هذا المجال.

انّ ظاهرة الوحي هي  من أكثر المقولات الدينية  غموضا وخفاء. وقد تم البحث عنها كثيرا من اجل بيان تعريفها. وقد اشار الدكتور عبد الكريم سروش  في بحثه حول هذا الأمر الخفي في سنة 1392 هـ ش معتبرا انّ الوحي مساويا للمنام والرؤيا. وقد قام سروش أخيرا ببيان جوانب كثيرة من رؤيته هذه خلال مناظرة تمّت معه[1].

فهو يرى انّنا بحاجة الى تغيير في النمط والطريقة لكي يمكننا تحليل مقولة الوحي وبيان الكثير من الايات القرانية. انّ هذا التغيير في النمط والاسلوب الذي يقترحه سروش يعدّ عبورا من "التفسير" الى "التعبير". وهو يعتقد انّ الوحي المحمدي حالة من الرؤيا تصحبها الرؤية والسمع. وانّ القرآن الكريم هو رواية لرؤيا الرسول الاكرم.

وكما يعبّر سروش عن ذلك حيث يقول:  " انّ محمدا صلى الله عليه واله شاهد ومخبر حيث يروي لنا مشاهداته، وفي أقواله هذه تارة يكون ناطقا واخرى مستمعا ، وتارة يخاطب نفسه واخرى يخاطب الاخرين ، وتارة يكون بعيدا عن ذاته واخرى يكون مستغرقا في الذات ، وتارة يكون كلامه بليغا وحماسيا واخرى يكون عاديا ويدعو للملل. وتارة تراه محلقا في القمة واخرى منحدرا ، وتارة يذهب الى ما وراء التاريخ والطبيعة و اخرى يضفي الاساليب اللغوية والعلية على تجربته ولغته ، وتارة يقول نثرا واخرى يقول نظما ، وتارة يكون كلامه كشفا عرفانيا ، واخرى يكون خطأ علميا، وفي جميع حالاته هذه يكون مؤيّدا بروح القدس من جانب ومقيدا بقيود البشرية من جانب اخر.[2]

وبحسب تعبير الدكتور سروش فانّ النبي الاكرم محمد صلى الله عليه واله لا يعدّ مخاطبا ومُخبرا عن الوحي بل انّه راوٍ للأحداث والرؤيا التي يراها. فيقول: "انّ محمدا صلى الله عليه واله ليس مخاطبا من قبل أصوات معينة ألقت في روعه الكلام وطلبت منه تبليغها. بل انّ محمدا صلى الله عليه واله يعدّ راويا للتجارب وناظرا لامور قد رآها هو بنفسه فهناك فرق كبير بين ناظر الرواية ومخاطب الخبر.

ولم يطلب منه ان يخبر الناس بأنّ الله واحد، بل انّه رأى الله بعين الشهود بصفة الوحدة واخبرنا عن هذه المشاهدة بلغته. ولم يطلب منه ان يخبر الناس بانّ الله والملائكة والعقلاء يشهدون بوحدانية الله تعالى  ، بل انّه لقد رأى وسمع شهادة الله والملائكة والعقلاء وأصبح مخبرا عنها.[3]

ومن خلال هذا التعريف للوحي وصل سروش الى هذه النتيجة وهي انّ كلام ولغة القرآن هو كلام ولغة وتجربة بشرية. وانّ القرآن بشكل مباشر ودون أي واسطة يعدّ من تاليف  وتجربة وغليان وثورة روح النبي محمد صلى الله عليه واله وكلامه وبيانه ولغته. انّ النبي محمد انسان سبر التاريخ، وفي طريق التكامل وبمرور الزمان يزداد النبي صلى الله عليه واله علما اكثر فاكثر. وقد أثّرت في تجارب النبي صلى الله عليه واله أوضاعه الشخصية الخاصة والصور الذهنية والحوادث المحيطة به والوضع الاجتماعي  والحياة القبلية. ويعتقد سروش انّ الله تعالى لم يتكلم حول مقولة الوحي ولم يأمر أو ينهى، حيث انّه كان هناك انسان في اطار التاريخ تكلم نيابة عنه وكتب كتابا عنه.

ويرى الدكتور عبد الكريم سروش انّه من خلال النظرية التي طرحها يمكن رفع  الكثير من الصعوبات التي تواجه تفسير القرآن الكريم. وهو يعترف كذلك انّه يمكن الاستفادة من مصطلح " المكاشفة " بدل مصطلح " الرؤيا ".

وهو يعبر عن ذلك فيقول: " انّ القاريء يمكنه استعمال بدل مصطلح الرؤيا مصطلحات مثل المكاشفة والواقعة والمثال والخيال المنفصل والمتصل والاقليم الثامن وعالم جابلقا وجابلسا وارض الملكوت  ( كما قد استعملوها )، ولكن الكاتب ومن دون ان يخالفهم اختار قاصدا مصطلح الرؤيا لكي يحذّر اولا من الابهامات التي تحيط بتلك المفاهيم القديمة والميتافزيفية المعقدة، وثانيا لكي يعطي وضوحا اكثر لحقيقة التجربة النبوية للنبي محمد صلى الله عليه واله.

حيث لا يوجد انسان لم يمرّ بتجربة الرؤيا في عمره ويجهل حلاوة ومرارة ذلك، ولذلك فانّ الجميع يمكن ان يدرك شيئا ممّا يجري على الرسل والانبياء والعرفاء في خلوة المراقبة وفي أعماق المكاشفة وفي حضرة الخيال وعالم المثال، فيمكنهم المقارنة بين الكامل والناقص وادراك شيئا من ذلك العالم المخفي".[4]

ويرى سروش انّ رؤيا النبي صلى الله عليه واله يمكن بيانها بلغة العرفاء ولكنها[5] بحاجة الى التعبير للمنامات، وهو وان كان شبيها بالتأويل ولكنه ليس التاويل نفسه والذين فاموا بالتاويل ورفعوا ايديهم عن الظاهر فهم شاءوا ام أبوا  قد اقتربوا من تعبير المنامات، ولذا فانهم وان كانوا يعبّرون عن القران الكريم بكلام الله تعالى الا انه يصدق عليه اكثر عنوان منامات واحلام محمد صلى الله عليه واله، واذا كان مصطلح المنامات غير مناسب يمكننا كذلك ان نطلق عليها " مكاشفات محمد ".

ويعتقد الدكنور سروش انّ استبدال الوحي بالرؤيا ليس انّه لا ينقص من شأن الوحي فقط بل انّه يعلي من شأنه؛ لانّه في السابق كان المفسرون يظنون انّ الوحي من مسموعات النبي الأكرم  ولكنّه اصبح من الواضح انّه من مشاهداته.

اذا كان اولئك يقولون انّ خبر القيامة قد سمعه النبي من الله تعالى وأخبرنا به، فانّنا نقول اليوم انّه قد شاهد مسرح القيامة والجن والملائكة والشيطان والعرش والكرسي كذلك، [6] واذا كان اولئك يقولون انّ قصة سجود الملائكة لآدم وتخلّف الشيطان عن ذلك، فاننا اليوم نقول انّ النبي قد رأى ذلك بعين الحالم وقام بإخبارنا بها، فكم كانت تعابير ذكية وقصة مليئة بالرمزية.

ولبيان نظريته يستند سروش الى البيان القراني في بعض أساليبه. وكمثال على ذلك فانّه يرى انّ التكرار الكثير الوارد في القرآن الكريم أمر لا يمكن تفسيره الا من خلال القول بالمنامات المكررة. وذلك بمعنى انّ النبي محمد صلى الله عليه واله كان قد رأى منامات مكررة متشابهة وأخبر بها الناس.

وبحسب تعبيره: "كما يبدو انّ نبي الاسلام الاكرم قد رأى موسى في المنام أكثر من مائة مرة وفي كل مرة روى فيها قصته وضع لها مشهدا جديدا بحيث يكون بينها تشابه من جانب و عدم تشابه من جانب اخر. فانّ مؤلف اي كتاب لا يمكن ان يكون لديه كلّ هذا التكرار، ولكن الشخص الحالم يمكن ان يرى صديقه عشر مرات ويقوم بنقل تلك القصة مع اختلاف فيها .[7]

وانّ سروش في مجال تبيينه للرؤيا النبوية يضع الدور الاساس على عاتق النبي محمد صلى الله عليه واله ويرفع المسؤولية في هذه الحالة عن الله تعالى فيقول: "وكأنّ هناك متكلما باسم الله تعالى قد غاب عن المشهد تماما والنبي نفسه حاضر وناظر ومقرر وراوٍ لها. وبدل ان تكون القضية الواردة في القران حيث يكون الله تعالى المتكلم ومحمد صلى الله عليه واله المستمع، فانّ القضية كانت بحيث انّه في القران الكريم يكون محمدا صلى الله عليه واله الناظر والراوي وكلّ ذلك بالتأكيد يكون بعين الله وبإذن الله.

ومن خلال هذا التوضيح يصل سروش الى هذه النتيجة وهي انّ اللغة والاسلوب القراني ليست لغة عالم اليقظة  ولا يجب ان تحمّل عليه التعابير التي تتطابق مع عالم اليقظة. " انّ لغة القرآن الكريم ليست لغة اليقظة بل انّها لغة المنام  والرمز وان كانت بالتأكيد هي لغة عرفية بشرية. انّ لغة القرآن الكريم المعادلة للغة اليقظة تقع فيها اخطاء مهلكة وعظيمة وتعتبر مغالطة لرمزية الرؤيا.

انّ جهنم والشمس والنجوم في القرآن الكريم هي جهنم والشمس والنجوم التي في الرؤيا وليست الشمس والنجوم الواقعية وكذلك فانّ لغة الرؤيا ليس فيها مجاز وكناية مما يعني انّ الالفاظ لا تحمل على غير معانيها الحقيقية وبالتاكيد فانّ قواميس اللغة غير مفيدة لفهمها، ولا بدّ من الاستفادة من طريقة التعبير عن الرؤيا.

وفي معرض جوابه للاشخاص الذين يرون ان بعض التعابير القرآنية جاءت بعنوان الكناية والاستعارة كان ردّه " ليس الامر دائما انّ الادباء يريدون شيئا ويضعون معنى بدل المعنى الاخر ويقومون باستعارة الفاظ جديدة مكان الالفاظ القديمة لكي يصلوا الى الغرض والهدف المنشود، بل انّ الاغلب منها ليس وراءه قصد او هدف او تجربة بل انّه بدون تأمل  وبشكل شهودي يرى الاشياء بمعان اخرى وذلك ليس اراديا او تصنعيا بل كشفيا ورؤيا في عالم الخيال وتجربة وراء عالم اللغة. وذلك يبتدأ من الراعي الذي " يسرّح شعر الله " والى محمد الذي يرى انّ الله نور السماوات والارض واحيانا " ملك جالس على العرش والعرش على الماء ". وهذه ليس منها شيء اعتباري او كناية او استعارة. ولم يتأمل الله تعالى ولا رسول الله صلى الله عليه واله  ليقوموا بتحسين عباراتهم  ليتقبلها المخاطب، ليشيروا الى معنى فيه استعارة بدل المعنى الاخر، فيكون ذلك معينا في كشف حقيقة المراد، بل انّه قد تراءى لناظري محمد صلى الله عليه واله ملكا نورانيا وجبارا قد تربّع على عرش الملك في سماء يملؤها الضباب، وكذلك بالنسبة لشرب اهل الجنة للخمر وشرب اهل النار للماء المغلي وبالنسبة لأجنحة الملائكة وترابية بني آدم  وخلق الجن من النار وبعث الموتى من القبور وشجرة الزقّوم وكتابة القران في اللوح المحفوظ و... وما الى ذلك من الامثلة الكثيرة " .[8]

وان الدكتور سروش ومن خلال هذا البيان بالنسبة لمقولة الوحي يرى انّ الاحكام الفقهية كذلك تعدّ نتيجة لتلك المشاهدات والرؤيا التي شاهدها النبي المكرّم واعتبرها صحيحة. " ان الحقيقة هي انّ الاحكام الفقهية للقران الكريم هي نتيجة للتجربة الشهودية لرؤيا النبي وتعبير عنها. فانّ نبي الاسلام قد امر بغسل اليدين والوجه طبقا لما شاهده في الرؤية الوحيانية وكتعبير عن الطهارة المعنوية والتي هي مقدمة لاقامة الصلاة. وبهذا الشكل كذلك رأى انّ الخمر والخنزير والدم وبقية المحرمات من الخبائث. وبعبارة اخرى فقد اوضح بانّ الغايات مثل الطهارة والنورانية قد ظهرت فيه على شكل اداب و مناسك". [9]

اية الله جوادي املي ومقولة الوحي

انّ اية الله جوادي املي يرى بأنّ جنس الوحي يختلف عن الرؤيا. وبحسب رأي اية الله جوادي املي فانّ الوحي بالاساس لا يمكن ان يكون تحت المقولات الماهوية بأي شكل من الاشكال، لكي يمكننا تعريفه ومعرفة حقيقته عن طريق الجنس والفصل والحد والرسم. وخلافا للدكتور سروش الذي يرى بانّ الوحي ناشىء من تأثّر النبي بالرؤيا والمكاشفات، فانّ اية الله جوادي املي لا يقبل بمثل هذه المقولات والتوجهات. ويقول في هذا المجال:

انّ الوحي غالبا يكون من سنخ العلم والادراك، وليس من جنس الحركة والنشاط والعمل. وان كان الانسان عند العمل يطلب العون والمدد من قنوات الفكر، والعلم والادراك له نحو من الوجود خاص ومنزّه عن الماهية، وان كانت الماهية ترافقه؛ ومن هنا حيث انّ الوحي مفهوم مأخوذ من "الوجود" ، لذلك فلا ماهية له ولا يمكن تعريفه عن طريق الجنس والفصل والحد والرسم.[10]

ويؤكّد اية الله جوادي املي على مقولة انّ الوحي غير بشري ولا يقبل باعتبارهما متساويين. وبحسب تعبيره فانّ: "القرآن الكريم هو بنفسه شاهد حيّ وخالد على  عدم بشرية الوحي النازل على الانبياء، لانّ الادلة والشواهد العديدة تنفي انّ القران المجيد هو حاصل ونتيجة للتاملات والمكاشفات الذاتية للانسان ومن عند النبي محمد صلى الله عليه واله". ويمكن بيان هذه الشواهد كالتالي:

الف: القرآن الكريم معجزة الهية؛ لانّه تحدّى جميع الناس ولكنه لم يستطع احد ان يأتي بمثله على الرغم من المحاولات العديدة للكثير من الناس في هذا المجال. وقد تحدّى القرآن الكريم جميع الناس متّحدين فكريا ومعنويا - اذا كان لهم شك في كون القرآن الكريم وحي من الله تعالى –  في أن يأتوا بعشر سور او حتى سورة واحدة من مثله، وبالتالي فقد أخبر القرآن الكريم عن العجز  المطلق للانس والجن مجتمعين في ان يأتوا بمثله:

{قُل لَئنِ اجتَمَعَتِ الانسُ و الجِن عَلي اَن يَاتوا بِمِثلِ هذا القُرآن لا يَاتُونَ بِمِثله وَ لَوکانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرا} (الاسراء، 88).

ب: وتوجد هناك ايات كثيرة كذلك تدل على انّ القرآن الكريم ليس من نتاج افكار البشر وتجاربهم وحاصل الافكار والتجارب الذاتية للنبي الاكرم صلى الله عليه واله؛ لانّ الله تعالى يهدّد النبي في بعض هذه الايات حيث يقول تعالى: {وَ لَو تَقوّل عَلينا بَعضَ الاَقاويل لاخَذنا مِنه باليَمين ثمّ لَقطَعنا مِنه الوَتين فما مِنکم مِن اَحَدٍ عَنه حاجزين} (الحاقة، 44-47).

وانّ الله تعالى يهدّد النبي اذا افترى عليه سوف يعاقبه. ولذلك فانّ القران الكريم هو وحي الهي وكتاب سماوي بحيث انّ كل ابعاده الثلاثة المعنى واللفظ والتناسب بينهما هي من قبل الله تعالى دون ان يكون هناك ايّ تدخّل في هذه الابعاد الثلاثة من قبل ايّ شخص رسول كان او غيره.[11]

وانّ تعبير اية الله جوادي املي هو كالتالي: وبالاساس فان كلّ اعجاز القران في كونه كلام الله تعالى ولا ارتباط له بكلام رسول الله مطلقا، وبالتاكيد فان ذلك واضح من خلال لسان رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى.[12]

وبحسب رأي اية الله جوادي املي فانّ الوحي لا يتبع النبي صلى الله عليه واله بل هو كلام الله تعالى: " ومن الواضح انّ الكلام الالهي والايات القرانية تستند الى المتبوع الذي هو الحق تعالى وليس التابع والذي هو النبي محمد صلى الله عليه واله. وهو ينسب الى الله الباقي وليس الى محمد الفاني؛ لانه اولا: يعتبر الوحي خارجا عن الحد والسعة الوجودية للحضرة المصطفوية.

ثانيا: انّ الله تعالى كذلك لم يكن داخلا في ظرفية الحضرة النبوية، بحيث يعتبر جزءا منها، وان كان داخلا الا انّه لا امتزاج له معه، وقد اظهر حقيقة الوحي لروح الرسول.

ثالثا: انّ الرسول الاكرم كذلك قد امتزج الوحي الالهي مع كل وجوده وهذا هو المراد والمقصود من القاء الوحي من خارج وجود الحضرة المصطفوية؛ لانّ الرسول محتاج للوحي والذات المحتاجة للوحي فاقدة للشيء المحتاجة له بحيث تطلبه من خارج وجوده وهويته، ومما مضى يتبين انّ الوحي مستند الى الذات الالهية السبحانية، وان تمّ تبليغه عن طريق الرسول النبوي".[13]

 

 

الفرق بين الوحي والمكاشفة

انّ الدكتور سروش ومن خلال المساواة بين الرؤيا والمكاشفة يصرّح بعقيدته هذه وهي انّ المراد من الوحي هي الرؤيا نفسها او المكاشفة العرفانية، وانّ اية الله جوادي املي يرى انّه بالاساس هناك تمايز واختلاف وفرق بين جنس الوحي والرؤيا أو المكاشفة العرفانية. ويذكر بعض الفروق بين الوحي والمكاشفة وهي كالتالي:

1- انّ المكاشفة العرفانية هي ثمرة السعي العملي او اثر الرياضة الروحية او التفكير العميق وطويل الامد، وانّ كل ما يهدف اليه أهل الطريقة هو التوصية في كسب هذه المقدمات، خلافا للوحي الذي لا يحتاج الى الرياضة الروحية.

2- انّ المرسل اليه الوحي في مثل هذه الحالة يكون له توجه حضوري بمرسل الوحي ونعني به الله تعالى وثقة كاملة ويقين بأنّ الوحي من قبل الله تعالى. ولهذا السبب يشعر بالاطمئنان والراحة خلافا للكشف والشهود لدى العارف الذي لا يكون لديه مثل هذا التوجه الحضوري بالنسبة لمصدر الوحي.

3- في المكاشفات العرفانية احتمال الخطأ موجود حيث انّ الشيطان يمكن ان يتدخّل فيها. لانّ العرفاء تارة يرون مشاهداتهم في عالم مثال متصل وتارة اخرى في عالم مثال منفصل؛ ومن هنا توجد حاجة للمعيار والميزان الذي يمكن من خلاله تمييز المشهودات الصحيحة والربانية عن المشهودات الباطلة. خلافا للوحي النازل على الانبياء الذي هو بعيد عن اي خطا واشتباه وانّ الانبياء الالهيين يخبرون دائما عن عالم المثال المنفصل. [14]

اسلوب التكرار في القرآن الكريم

لقد اذعن الدكتور سروش كذلك بأنّ التكرار الذي في القرآن الكريم دليل على انّ النبي الاكرم صلى الله عليه واله في رؤياه لديه مشاهدات على نحو مكرر وقد أخبر بها الاخرين كذلك. ولكن اية الله جوادي املي يرى ان التكرار في القران الكريم يدلّل على حكمة الله تعالى. وكما يعتقد انّ : " الله حكيم وقد وصف القران بالحكيم". ولذلك فانّ القران بعيد عن العبثية وعدم الهدفية، وانّ هدفه المهم الذي يبتغيه هو بناء الانسان العاقل لكي يصل في ظل ذلك الى الهدف النهائي وهو هداية الانسان، وللوصول لذلك الهدف استخدم القرآن الكريم اساليب مختلفة مثل التكرار و.. . [15]

ان اسلوب التكرار في القرآن الكريم جاء باعتبار انّ القران كتاب نور وهداية، وفي مقام الهداية يجب بيان الموضوع الواحد في كل مناسبة يلغة خاصة لكي تكون له خصوصية الموعظة، خلافا للكتب العلمية التي تبين المواضيع العلمية في محل واحد ولا يعتبر تكراره مفيدا. وان سرّ الحاجة للتكرار في كتاب الهداية هو ان الشيطان والنفس الامارة – وهما يعتبران من عوامل الضلالة والعذاب – يعملان دائما من اجل اضلال البشرية، وانهما وان كانا في بعض الاحيان يقلّ دورهما ولكنهما لا يتركا الاضلال، ومن هنا فان تكرار الارشاد والهداية ضروري.[16]

انّ اية الله جوادي املي يعتبر كذلك ان اسلوب التكرار القراني جاء لتيسير فهم المعارف الاسلامية المعقدة فهو يذكر ذلك مصرحا بانّ: " استخدم القران الكريم اسلوب التكرار لتيسير فهم المعارف المعقدة من امثال القصة والمثَل، وقد بيّن القصص الحقيقية من خلال اختيار ما يناسب الهدف الاساس من اخذ دروس العبر منها وبافضل اسلوب. [17]

الخلاصة

انّ الدكتور سروش ومن خلال طرحه لنظرية رؤيا النبوة يسعى الى تجاوز بعض الصعوبات في الفهم القرآني. ولكي يحقق هذا الامر فهو يستمدّ العون من الرؤية التي طرحها لكي يجعل المفاهيم القرآنية منسجمة مع الفهم العام . وهو قد أكّد مرات عديدة على انّ جنس الوحي ليس كما يطرحه القدماء واستمدوه من مفاهيم صعبة مثل عالم المثال المتصل والمنفصل أو عالم جابلقا وجابلسا . وامّا نظرية الرؤيا والمنام يمكن ان تكون في اطار فهم عامة الناس ؛ لانّ كل أفراد البشر يعرفون الرؤيا والمنام ويمكنهم الشعور بذلك وادراكه.

وفي مقام تبيين اية الله جوادي املي لمقولة الوحي فهو لا يعتبر الوحي من جنس المكاشفة او الرؤيا، ويعتقد انّ جنس الوحي بختلف تماما عن الرؤيا والمنامات لدى الناس والمكاشفات العرفانية. وبحسب رأي اية الله جوادي املي فانّ الوحي القراني يطرح المعارف من العالم المتعالي، وانّ الوحي كحبل ممدود أوّله مرتبط بعالم الغيب ونهايته يطرح في قالب قرآني مكتوب. ولذلك فانّه من أوله والى اخره كله يرجع الى الذات الاحدية ولا يوجد هناك أي تدخّل او تصرّف فيه من قبل النبي.

ويذكر اية الله جوادي املي مجموعة من الايات القرانية التي تثبت انّ النبي لم يكن لديه  ايّ تدخّل او تصرّف في مسألة الوحي ويذكر التهديدات القرانية للنبي بالنسبة لهذا الامر.

ويرى عبد الكريم سروش –  من خلال ذكر بعض الخصوصيات القرانية مثل اسلوب التكرار في القران –  ان الرؤيا والمنامات المكررة للنبي كانت هي السبب في ذكر العديد من الايات القرانية على نحو التكرار. ويرى اية الله جوادي املي انّ هذا التكرار يدلّ على معرفة وحكمة الهية في بيان كلامه تعالى. ويؤكد كذلك اية الله جوادي املي على انّ المكاشفات العرفانية  لا يمكن ان تكون بديلا للوحي، وبعبارة اخرى فانّ جنس الوحي الالهي غير قابل للمقارنة والقياس مع اي ظاهرة اخرى، فلا يمكن قياسه  في اطار قالب المكاشفة ولا يمكن للرؤيا والمنام ان يكون بديلا عن الوحي.

 

المصادر

[1] المناظرة العلمية بين عبد الکريم سروش و عبد العلي بازركان في برنامج "پرگار بي بي سي" http://www.bbc.com/persian/tv/2011/04/000001_ptv_pargar.

[2] عبد الکريم سروش ، "محمد راوي رؤياهاي رسولانه" (5)، "شبي برنشست از فلک در گذشت".

[3] عبدالکريم سروش ، "محمد راوي رؤياهاي رسولانه" (1).

[4] المصدر نفسه.

[5] عبد الکريم سروش، "محمد راوي رؤياهاي رسولانه" (5)، "شبي برنشست از فلک درگذشت".

[6] عبد الکريم سروش، "محمد راوي رؤياهاي رسولانه"(2)، "خواب احمد خواب جمله انبياست".

[7] المصدر نفسه

[8] عبد الکريم سروش، "محمد راوي رؤياهاي رسولانه" (4) "انتفاء شريعت و امتناع رسالت"

[9] المصدر نفسه

[10] آية الله جوادي آملي، "تفسير موضوعي قرآن کريم" ، ج3 ،(وحي و نبوت در قرآن کريم)، ص53

[11] آية الله جوادي آملي، "وحي و نبوت"،  ص112

[12] المصدر نقسه،ص123

[13] المصدر نفسه،ص161

[14] آية الله جوادي آملي، "تفسير موضوعي قرآن کريم"، ج3، "وحي و نبوت در قرآن کريم" ، ص91-105 وكذلك  "تفسير انسان به انسان" ، ص94-97

[15] آية الله جوادي آملي، "تفسير تسنيم" ، ج 1، ص44-52

[16]المصدر نفسه، ص51-52

[17] آية الله جوادي آملي، "قرآن در قرآن"، ص299

 

 

التعليقات

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.